منوعات

تسبب بافلاس مصرف… اليكم ما فعل

يواجه الفرنسي فابيان غاغليو عقوبة تصل إلى السجن 10 سنوات بسبب اختلاس أكثر من 60 مليون فرنك من حسابات عملاء كنديين وإيطاليين وأميركيين، وقد اعترف بالتهم الرئيسية المنسوبة إليه.

وفي تقرير نشرته صحيفة “لوفيغارو” (lefigaro) الفرنسية، تقول الكاتبة لينا إن أحد أذكى المحتالين في العالم سيمثل في مارس/آذار المقبل أمام محكمة جنيف الجنائية على خلفية عمليات احتيال تسببت بإفلاس أحد أشهر البنوك السويسرية الخاصة.

وفقا للائحة الاتهام، يُزعم أن المصرفي السابق (عمره الآن 48 عاما)، اختلس نحو 9 ملايين فرنك واستخدم أموال عملائه ليحصل هو وعائلته على منافع وخدمات فاخرة.

ووفق الكاتبة، فقد حصلت الصحيفة على مئات الصفحات من وثائق المحكمة، والتي كشفت عن تفاصيل عمليات الاحتيال التي قام بها غاغليو، ونقاط الضعف الهيكلية في إدارة الحسابات المصرفية، بما في ذلك سذاجة العملاء وتهور وإهمال المصرفيين والثغرات في اللوائح.

بداية الاحتيال
في صباح 23 كانون الثاني 2013، سلم فابيان غاغليو نفسه للشرطة الفرنسية في قصر كونسيرجيري في باريس، وروى تفاصيل رحلته واعترف بعمليات التزوير التي قام بها. ووصفه أحد زملائه السابقين بأنه “رجل يتمتع بالكاريزما والجاذبية، ولم يكن له مؤهل دراسي للعمل في البنك”.

كان غاغليو يعيش في مدينة نيس، ورغم أنه لم يُنه دراسته في القانون، حصل على شهادة مزورة وتقدم بطلب للحصول على وظيفة في بنك “ميريل لينش”. بعد أن افتضح أمره في فرنسا، وجد وظيفة في لندن، أولا في شركة “يونيون إنفستمنت مانجمنت” (UIM)، ثم في “بنك روتشيلد”. وقد كلفه زواجه نحو 100 ألف يورو، وعاش بشقة جميلة بمنطقة “سلون سكوير” في لندن، وكان أطفاله يدرسون بمدرسة خاصة.

وحسب الكاتبة، فإن المصرفي الشاب بدأ منذ عام 1998 يتلاعب بحسابات عملائه ويحصل على الأموال بشكل غير مشروع، ووفق اعترافاته، فإنه حصل خلال فترة عمله في “يونيون إنفستمنت مانجمنت” ثم في “بنك روتشيلد” على مليوني يورو.

وما بين عامي 2003 و2004، وجد نفسه عاطلا عن العمل، لكنه زور وثائق ليجعل عملاءه يعتقدون أنه ما يزال يعمل، وأكد للشرطة قائلا “لقد أصبح ذلك بمثابة دينا بالنسبة لي، واعتقدت أنه سيكون لدي يوما ما إمكانية لكسب ما يكفي من المال لسداده”.

سحر فرنسي
تقول زميلة سابقة لفابيان غاغليو “كان يتحدث الإنجليزية بشكل جيد للغاية، واستسلم الناس لسحره الفرنسي. كان أسمرا نحيفا وصاحب نظرة كئيبة وحادة. كان يدخن كثيرا، لكن نظرته تخفي كل شيء”.

ويؤكد زميل آخر أنه كان شخصا “أنيقا للغاية وله ذوق رفيع، وكان ذكيا ومنظما. كان يمثل فعلا صورة الرجل الناجح والمتعاطف الذي يتمتع بقدر عال من الذكاء العاطفي”.

عام 2005، انتقل فابيان غاغليو إلى جنيف وتم تعيينه في شركة “هوتينغير أند بارتنرز” (Hottinger & Partners) وهي شركة لإدارة الثروات يُشرف عليها بنك “هوتينغير آند سي” (Hottinger & Cie). في ذلك الوقت أصبح فابيان غاغليو يعمل بمثابة “الصياد” الذي يعمل على جذب العملاء وتنمية أعمال الشركة والبنك الأم.

عملاء غاغليو
من بين العملاء الذين تعامل معهم غاغليو، الموسيقار الإيطالي جورجيو مورودر، وداني رو، سائق سيارات دراغستر، ومنذ عام 2006، تعامل معه الزوجان الكنديان بينيدك، اللذان أصبحا من الأثرياء بفضل اختراعهما نظاما لتنقية المياه.

عندما كان يستقبل عملاءه بمقر بنك “هوتينغير” في جنيف، كان فابيان غاغليو يخبرهم أنه أحد الشركاء في البنك، رغم أنه لم يكن شريكا إلا في شركة “هوتينغير آند بارتنرز”، وهي مستقلة فعليا عن البنك.

وقدر راتبه الأساسي بنحو 250 ألف فرنك سنويا، لكنه لم يكن كافيا لتمويل الحياة المترفة التي يطمح إليها، ومع ذلك كان يقول للجميع إنه مليونير.

خداع مالي
في شركة هوتينغير، سار غاغليو على نفس النهج الذي كان يسلكه في لندن، حيث كان يسحب الأموال المودعة بحسابات عملائه، وكان يعطيهم بيانات خاطئة عن المداخيل تظهر أداء جيدا، ثم يقوم بإنشاء أوامر تحويل أو رسائل بريد إلكتروني مزيفة لاستنزاف أموالهم.

في نهاية عام 2012، اعتقد أندرو وديانا بينيدك -وهو أفضل عملاء فابيان غاغليو- أن لديهم 30 مليون دولار، بينما لم يتبق لديهما في الواقع سوى 12 مليونا، من أصل 26 مليون دولار تم تحويلها في البداية. واعتقد ضحية أخرى، وهو داني رو، أن لديه 19 مليون دولار، بينما لم يتبق في حسابه سوى 300 ألف دولار.

واعتقد عميل آخر -وهو طبيب أمراض جلدية من كاليفورنيا- وزوجته أن لديهما 15 مليون دولار، في حين لم يكن لديهما سوى 3 ملايين دولار. ووفقا لمريم مازو، محامية الزوجين “تأذى موكلاها بشكل خاص لأنها كانت خيانة من شخص ادعى أنه صديقهم”.

ووفقا للائحة الاتهام، كان فابيان غاغليو يطلب من بعض موظفي “هوتينغير آند بارتنرز” تغيير البيانات تحت ذرائع مخادعة ومدروسة بدقة، مثل زيادة قيمة بعض الحسابات.

ولم يكن أحد في الشركة يشك في سلوك غاغليو، ويقول أحد الموظفين السابقين أثناء استجوابه “قيل لي أن أفعل، وفعلت ذلك”. وأكد آخر أن الموظفين أُنهكوا في ظل “عبء العمل” و”الوتيرة المحمومة” التي فرضها غاغليو.

وحصل فابيان غاغليو عام 2012 على 422 ألف يورو من حسابات طبيب الأمراض الجلدية وزوجته. كان يريد أن يشتري مزرعة عنب مع صديقه الطباخ المعروف يانيك ألينو، لكن تحويل المبلغ أثار شكوكا في البنك. أفلت غاغليو من تلك الورطة بعد أن ادعى أنه “قرض قدمه العميل، وأن البنك سوف يتلقى عقدا قريبا”.

وكان حدث سيناريو مماثل عام 2011، حيث سحب 100 ألف يورو نقدا من حسابات الطبيب وزوجته، وقد فسر ما أقدم عليه قائلا “إنهم بحاجة المال لقضاء عطلاتهم والقيام بأعمال غير قانونية في منزل في جنوب فرنسا”.

وفي ظل تزايد الشكوك داخل البنك، أكد أحد الموظفين أن غاغليو طلب الأموال “شفهيا” بحكم أنه “يعرف العملاء جيدا”.

واستمرت عمليات الاحتيال حتى اكتُشف الأمر في كانون الثاني 2013. وأثناء غيابه، قارن المدير الإداري لشركة هوتينغير وثيقة أصلية من بنك في لوكسمبورغ مع بيانات أرسلها غاغليو للعملاء. وتبين أن هناك فروقا بعدة ملايين في حسابات العملاء.

وعد غاغليو بإصلاح الأمر، لكنه اختفى عن الأنظار، قبل أن يظهر بعد ذلك بأسبوعين ويسلم نفسه للشرطة الفرنسية. وفي الأثناء، رفع أحد الشركاء في “هوتينغير” دعوى قضائية ضده.

قضية مورودر
التقى مورودر بفابيان غاغليو عام 2001 في لوس أنجلوس، وأوضح الموسيقار الإيطالي أمام المحققين بجنيف عام 2016 أنه “كان لدي شعور جيد حين التقيته”، مؤكدا أن أحد الأصدقاء قدمه إليه باعتباره “أحد أفضل المديرين في العالم” وأنه قادر على أن يقدم له عوائد تتراوح بين 15-20%.

اعتقد الإيطالي عام 2012 أن لديه نحو 17 مليون دولار في بنك هوتينغير، رغم أن حسابه لم يكن موجودا، ومع ذلك استمر بالحصول على مبالغ كبيرة تصل إلى 300 ألف فرنك سويسري، كان غاغليو يسحبها من حسابات عملاء آخرين.

وفي غضون 10 سنوات، حصل جورجيو مورودر على 5 ملايين دولار، وهو مبلغ يقارب ثروته الأصلية. عندما تم اكتشاف الاحتيال، وجد مورودر نفسه يملك فقط منزلا جميلا في إيطاليا، مع الكثير من الديون والقليل من المال.

خدمة كبار الشخصيات
حتى نهاية 2012، كان فابيان غاغليو يتصرف بأريحية، وقد أقرض زوجته أكثر من 300 ألف يورو، ودفع 100 ألف يورو لمدرسة أطفاله في برشلونة حيث يقيم معظم الوقت.

وكان المصرفي الفرنسي في 2011 قد دعا 100 من أصدقائه إلى نيوزيلندا لحضور كأس العالم لرياضة الركبي، وهي دعوة تم تمويلها من حسابات عملائه من دون علمهم.

وتُظهر وثائق المحاكمة أن مجموع ما اختلسه غاغليو يبلغ 60 مليون فرنك، لكنه لم ينفق على نفسه وعلى عائلته إلا 9 ملايين فرنك، وهو ما أثار الأسئلة حول مصير بقية المبلغ.

وفقا لشركة خدمات التدقيق “ديلويت” (Deloitte)، دفع عملاء غاغليو 669 ألف دولار في إيجارات العقارات، و1.7 مليون دولار في الرحلات، و2.48 مليون دولار مقابل أعمال فنية. تم إنفاق جزء كبير من الأموال التي اختلسها غاغليو على العملاء مقابل خدمات فاخرة، وكانوا يعتقدون جميعا أنها مقدمة من بنك هوتينغير.

مغازلة المحامين
في تشرين الثاني عام 2012، ذاع صيت فابيان غاغليو في منطقة بحيرة كومو، على خلفية مشاركته في مؤتمر دولي للمحامين المعنيين بالثروات الخاصة، وقد تكفلت شركة “هوتينغر أند بارتنرز” بتغطية تكاليف المؤتمر.

وكتبت كارين جونز في تقرير نشرته مجلة “سيتي ويلث” حول المؤتمر “كان يمتلك كاريزما، وموّل العديد من المنظمات. تكفل بتمويل العديد من الفعاليات، ما ساعده على كسب الشهرة. ولأنه كان مصرفيا في بنك سويسري، لم يشكك أحد في سمعته”.

وبدعوته ما بين 20 و40 من بين أبرز المحامين بشكل سنوي إلى باريس ولندن وروما، تمكن من توسيع شبكته على نطاق عالمي وتطوير أنشطته.

سقوط مصرف هوتينغير
اعتمد غاغيلو بنك هوتينغير لاستقطاب النخبة المهتمة بإدارة الثروات، وينتمي المصرف لعائلة أرستقراطية عريقة من زيورخ كانت تعيش في باريس قبل قرنين، ومنحها نابليون لقب بارون.

في العقد الأول من القرن الحالي، شهد البنك أزمة حادة نتيجة نزاع بين الأخوين رودولف وفريديريك هوتينغير حول منصب رئيس مجلس الإدارة. وبعد وصول صدى الخلافات إلى السلطات السويسرية المتخصصة، فرضت الهيئة الاتحادية للرقابة على الأسواق المالية إعادة هيكلة للبنك عام 2009.

ولمواجهة الأزمة، قررت عائلة هوتينغير إنشاء شركات تابعة، يعمل خلالها أصحاب الثروات الخاصة تحت علامة هوتينغير، وضمن هذا الإطار تأسست شركة “هوتينغير أند بارتنرز” عام 2004. انضم جان فرانس إرمو دي كليرمون تونير وفابيان غاغليو كمساهمين في الشركة، لكن الحصة الأكبر بقيت من نصيب عائلة هوتينغير. ولم تنقذ هذه المبادرة ثروات العائلة، بل تسببت الشركات التابعة في إفلاس البنك في نهاية المطاف.

في عام 2013، تم اكتشاف عمليات الاحتيال التي نفذها غاغليو، وفي عام 2014، ظهرت عملية احتيال ثانية في شركة أخرى تابعة للعائلة، وهي قضية تتعلق باختلاس 1.7 مليون فرنك سويسري، تنظر فيها المحكمة الجنائية الفدرالية في بيلينزونا حاليا.

تأخر المحاكمة

اعترف فابيان غاغليو بالجرائم المنسوبة إليه من دون أن يطعن في القرارات الصادرة عن مكتب المدعي العام، لكن إجراءات المحاكمة استغرقت 9 سنوات، وليس 4 أو 5 سنوات كما هو الحال في هذا النوع من القضايا، وفقا للكاتبة.

في لوكسمبورغ، وبعد الاطلاع على بعض حسابات العملاء، صدر حكم بسجن فابيان غاغليو 3 سنوات، قضى منها عاما واحدا. أما في جنيف، توقفت التحقيقات عدة سنوات.

وتقول النيابة العامة في جنيف إن التأخير في إصدار الحكم سببه القائمة الطويلة من الأشخاص المشتبه بهم، وطول المدة التي يُشتبه أن غاغليو ارتكب خلالها جرائمه، بالإضافة إلى توجيه طلبات مساعدة من سلطات دول أخرى، وقد تعطلت التحقيقات بعد تفشي فيروس كورونا.

وتضيف الكاتبة أنه في ظل تأخر الإجراءات وإفلاته من العقوبة حتى الآن، تمكن غاغليو من العمل في مجال تنظيم الحفلات في جنوب فرنسا.

ومن المنتظر أن تُعقد المحاكمة بين 21 و25 آذار المقبل، ويُتوقع -وفق الكاتبة- أن يستخدم غاغليو أقدمية التحقيقات كورقة لتخفيف الحكم المرتقب ضده.

(الجزيرة)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى